الجنيد البغدادي

179

رسائل الجنيد

الأرواح برؤية التلاق فاشطاط بنسيم تستعر نيرانها واحتجب عن رؤية أوصافها واستولى عليه المحبوب في شربه فغاب عن أرضه وسمائه فخامر عقله من وده ما انجلت صفاته وزاب قلبه وتلاشى همه وآخر فاض بحار شرابه فاصطلمه باستغراق أمواجه وانقلب فيها فتاه هيجانه ، فغمره بسلطان قهره ، فأرمسه قبل وفاته و ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ ( 21 ) ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ [ عبس : 22 ، 21 ] فلم يبق له نسبة في حيويته ولا علم وفاته عند خلقه وقد قال جل ثناؤه : وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ [ الأعراف : 143 ] . هذا جملة ما أشرنا إليه من أوصاف أهل السكر وأومات إلى نعوتهم بالتعريض ولم استقصى ذلك بالتصريح لتعلم موضوع أقدامهم على مرسوم أهلها فيها وأن لا تخفى كيفية أقدامهم ونعت سلوكهم وباللّه التوفيق . فصل في الإفاقة وأما أحكام الإفاقة فإن كل طائفة من هؤلاء المذكورين فإفاقتهم فمنهم منوطة بمقدار سكرتهم على مقدار ما يغشاهم من بروز الحال الساكرة ومخمور السكرة يحييهم الحق بالإفاقة وينعسهم بالصحو والدارية فيكون صحو أهل الإرادة منوطة بالفتوة والرجوع إلى السنة والتعلق على منهج الرسالة وذلك إفاقة أهل الأحوال الآخذين ذلك على الميثاق والإفاقة الثانية على أوصاف المتعرف إليهم في المنصوص والمنكشف عن حقائق الغيوب المخبر عن ذلك بألسنة البيان والداعي بذلك إلى ولاية الرحمن بتذكار ما أخبر الحق عن نفسه وما جاءت به الأخبار في شرعه وإفاقة أهل النهايات علم التوحيد وما تجلى لهم من التفريد فاستوطنت الأسرار وجود الكمال وأقام على ما هو متفرد به جل ثناؤه من الأسماء والصفات التي لم يزل موصوفا بها جل ثناؤه ، واعلم أن كشف التعريفات على حقائق التنقيلات لم أبسطه على ترتيبات موضوع ما رسمه أصحابنا وفي بعض الإشارة إلى ذلك جملا الأرواح فتختلط أحكام العقول لما يعلوها فيخامرها بالتغطية فتستتر تحتها الصفات ويخنس دونها كثير من التمييز والبصائر المعهودة والرازية المفهومة ، وذلك لما يخامرها ويغشاها من قوة تحكم الوارد ولذلك سمى الخمر خمرا لأنها تخامر العقل يعنى تغطية وسمى خمار المرأة